صديق الحسيني القنوجي البخاري
119
فتح البيان في مقاصد القرآن
جوارحهم في الصلاة وملازمتهم لوظائف الخشوع الذي هو روح الصلاة وإتعابهم لأنفسهم إتعابا عظيما في الأسباب الموجبة للحضور والخضوع لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر وتوفر الجزاء والظفر بما وعد اللّه به من عظيم الثواب تسهل عليهم تلك المتاعب ، ويتذلل لهم ما يركبونه من المصاعب ، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة وراحة عندهم محضة . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أي يستيقنون وقيل يعلمون ، والظن هنا عند الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [ الحاقة : 20 ] وقوله : فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [ الكهف : 53 ] وقيل إن الظن في الآية على بابه ويضمر في الكلام بذنوبهم فكأنهم توقعوا لقاءه مذنبين ، ذكره الماوردي والأول أولى ، وأصل الظن الشك مع الميل إلى أحد الطرفين ، وقد يقع موقع اليقين في مواضع منها هذه الآية . ومعنى أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ملاقوا جزاءه ، والمفاعلة هنا ليست على بابها ، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأسا أي يوقنون أنهم يرونه ، وفي هذا مع ما بعده من قوله : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار بالبعث وما وعد اللّه به في اليوم الآخر ، وفيه دليل على ثبوت رؤية اللّه تعالى في الآخرة . يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ إنما كرر ذلك سبحانه توكيدا للحجة عليهم وتحذيرا لهم من ترك اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم قرنه بالوعيد وهو قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً قيل المراد بالنعمة أيادي اللّه عندهم وأيامه ، قاله سفيان بن عيينة ، وعن مجاهد التي أنعم بها على بني إسرائيل فيما سمى وفيما سوى ذلك ، فجّر لهم الحجر وأنزل عليهم المن والسلوى وأنجاهم من عبودية آل فرعون ، وكان عمر بن الخطاب إذا تلا هذه الآية قال مضى القوم وإنما يعني أنتم . وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يعني على عالمي زمانكم ، فلا يتناول من مضى ولا من يوجد بعدهم ، وهذا التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف للأبناء ، قيل فيه ورود العام المراد به الخصوص ، لأن المراد بالعالمين عالمو زمانهم ، وقيل على جميع العالمين بما جعل فيهم الأنبياء ، وقال في الكشاف على الجم الغفير من الناس كقوله : بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 71 ] يقال رأيت عالما من الناس يراد الكثرة انتهى ، قال الرازي في تفسيره : وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل ، وكلما كان دليلا على اللّه كان علما وكان من العالم ، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى اللّه ، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات ، انتهى . أقول هذا الاعتراض ساقط أما أولا فدعوى اشتقاقه من العلم لا برهان عليه ، وأما